فخر الدين الرازي

79

تفسير الرازي

هنالك ، والله أعلم بالصواب . قوله تعالى * ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) * . أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران على الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان من جملة شبههم أن قالوا : يا محمد ، لما سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله تعالى ، فقال : إن آدم ما كان له أب ولا أم ولم يلزم أن يكون ابناً لله تعالى ، فكذا القول في عيسى عليه السلام ، هذا حاصل الكلام ، وأيضاً إذا جاز أن يخلق الله تعالى آدم من التراب فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من دم مريم ؟ بل هذا أقرب إلى العقل ، فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقرب من تولده من التراب اليابس ، هذا تلخيص الكلام . ثم ههنا مسائل : المسألة الأولى : * ( مثل عيسى عند الله كمثل آدم ) * أي صفته كصفة آدم ونظيره قوله تعالى : * ( مثل الجنة التي وعد المتقون ) * ( الرعد : 35 ) أي صفة الجنة . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( خلقه من تراب ) * ليس بصلة لآدم ولا صفة ولكنه خبر مستأنف على جهة التفسير بحال آدم ، قال الزجاج : هذا كما تقول في الكلام مثلك كمثل زيد ، تريد أن تشبهه به في أمر من الأمور ، ثم تخبر بقصة زيد فتقول فعل كذا وكذا . المسألة الثالثة : اعلم أن العقل دل على أنه لا بد للناس من والد أول ، وإلا لزم أن يكون كل ولد مسبوق بوالد لا إلى أول وهو محال ، والقرآن دل على أن ذلك الوالد الأول هو آدم عليه السلام كما في هذه الآية ، وقال : * ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ) * ( النساء : 1 ) وقال : * ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ) * ( الأعراف : 189 ) ثم إنه تعالى ذكر في كيفية خلق آدم عليه السلام وجوهاً كثيرة أحدها : أنه مخلوق من التراب كما في هذه الآية والثاني : أنه مخلوق من الماء ، قال الله تعالى : * ( وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً ) * ( الفرقان : 54 ) والثالث : أنه مخلوق من الطين قال الله تعالى : * ( الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ) * ( السجدة : 7 ، 8 ) والرابع : أنه مخلوق من سلالة من طين قال تعالى : * ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ) * ( المؤمنون : 11 ، 13 ) الخامس : أنه مخلوق من طين لازب قال تعالى : * ( إنا خلقناهم من طين لازب ) * ( الصافات : 11 ) السادس : إنه مخلوق من صلصال قال تعالى : * ( إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون ) * ( الحجر : 28 )